عثمان بن جني ( ابن جني )

26

سر صناعة الإعراب

ألا ترى أنك إذا قلت : السّلام عليكم فأنت مخبر غير مؤكد ، فإذا قلت : ها السّلام عليكم كنت بالتنبيه مؤكّدا ، فلما كانت هذه حال « ها » ضارعت عندهم « ما » المؤكدة نحو قوله عز اسمه : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ( النساء : 155 ) « 1 » ، و عَمَّا قَلِيلٍ ( المؤمنون : 40 ) « 2 » أي : فبنقضهم ، وعن قليل . فكما جاز ل « ما » هذه أن تعترض بين الجار والمجرور مؤكدة كما زيدت « ما » في قوله : عَمَّا قَلِيلٍ ونحوه ، وليس كذلك حرف التعريف ، لأنه ليس الغرض فيه التوكيد ، وإنما الغرض نقل النكرة إلى معنى المعرفة ، فهذان معنيان كما تراهما متباينان « 3 » ، وأنت تجد معنى مررت بذا كمعنى مررت بهذا ، وليس بينهما أكثر من توكيد الكلام على المعنى الأول ، ولا تجد بينهما الفرق الذي تجده بين مررت برجل ، ومررت بالرجل ، فدلّ هذا على أن اتصال حرف التعريف بما عرّفه ليس كاتصال « ها » بما نبّه عليه ، قال تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ ( النساء : 109 ) « 4 » . وقال الشاعر : وقفنا ، فقلنا : ها السّلام عليكم * فأنكرها ضيق المجمّ غيور « 5 »

--> ( 1 ) نقض : أي أفسد بعد إحكام . ميثاق : عهد ( ج ) مواثيق . الشاهد في الآية إضافة ( ما ) المؤكدة للتوكيد في قوله ( فبما ) . ( 2 ) ( عما قليل ) أصلها ( عن قليل ) واعترضت ( ما ) المؤكدة للتوكيد بين الجار والمجرور . ( 3 ) متباينان : مختلفان . ( 4 ) جادلتم : ناقشتم وخاصمتم . الشاهد في الآية اتصال ( ها ) التنبيه بالمعرفة ( أنتم ) . إعراب الشاهد : ها : أداة تنبيه مبنية لا محل لها من الإعراب . ( 5 ) المجم : الصدر : ضيق المجمم : أي ضيق الصدر . لسان العرب ( 12 / 106 ) . أنكر : جهل وقيل عاب ونهى . غيور : يقال غار الرجل على امرأته : أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره ، وكذا المرأة ، فهو غيور وهي غيورة ( ج ) غير . الشاهد في البيت اتصال ( ها ) التنبيه بالمعرفة ( السّلام ) . إعراب الشاهد : ها : أداة تنبيه مبنية لا محل لها من الإعراب . السّلام : مبتدأ مرفوع . والبيت ذكره صاحب اللسان في مادة ( ج م م ) ونسبه لابن الأعرابي ( 12 / 106 ) .